عبد الوهاب الشعراني
527
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
والقوى لا هو ، فإن العبد إذا أمره الحق تعالى ، بقوله افعل يتيه إعجابا في نسبة الفعل إليه ، ثم يسبقه إمداد الحق تعالى لقوته الفاعلة عند الفعل من حيث لا يشعر ، فيظن أنه الفاعل وينسى الفاعل الحقيقي ، ولو أنه نظر إلى قواه الباطنة وما أمده الحق تعالى لها من القوى لذهب عنه الرياء جملة واحدة ، فكان حكمه حينئذ حكم من نام إلى الصباح وبجانبه شخص نائم يصلي طول الليل والناس ينظرون فهو لا يصح له أن يرائي بما فعل ذلك الشخص أبدا ولو أنه ادعى ذلك لكذبه الناس ، ومثل ذلك أيضا ما لو استعار ثوبا ليحضر به عرسا وجميع من حضر العرس يعرفون أن ذلك الثوب لفلان أعارها له ، فلا يصح له أن يدعيها لنفسه ، ولو ادعى كذبه الناس ولم يحصل له به تجمل ، بل كان العري له أولى من لبسه ، فكذلك القول في المرائي بعمله يكذبه اللّه وملائكته وجميع العارفين وتمقته القلوب ، قال تعالى : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ( 3 ) [ الصف : 3 ] . أي لو انكشف حجابكم لرأيتم اللّه تعالى فاعلا ومقتم نفوسكم عنده يعني في حضرة شهوده لا دعائها ما ليس لها لا أن اللّه تعالى يمقت العبد على وجه نسبة الفعل إلى نفسه ، فإنه تعالى قد أضاف الأفعال إلى عباده وما أضافه إليهم لا يصح مقتهم لأجله فافهم . وبالجملة فمن راءى الناس بأعماله فهو مجنون والسلام . وروى مسلم والترمذي وغيرهما مرفوعا : « أوّل النّاس يقضى عليه يوم القيامة رجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن فيؤتى به فيعرّفه اللّه تعالى نعمه عليه فيعرفها فيقول اللّه تعالى له ما عملت فيها ؟ فيقول : تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت القرآن فيك ، فيقول له الحقّ تعالى كذبت ولكنّك تعلّمت ليقال عالم ، وقرأت ليقال هو قارىء فقد قيل ، ثمّ أمر به فيسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار » . وروى ابن خزيمة في « صحيحه » مرفوعا : « إنّ اللّه تعالى يقول للقارئ يوم القيامة ألم أعلّمك القرآن الّذي أنزلته على رسولي ؟ فيقول بلى يا ربّ ، فيقول اللّه تعالى له : فماذا عملت فيما علمت ؟ قال : كنت أقوم لك به آناء اللّيل وآناء النّهار ، فيقول اللّه عزّ وجلّ له : كذبت ، وتقول له الملائكة كذبت ، ويقول له اللّه عزّ وجلّ بل أردت أن يقال فلان قارىء ؛ وقد قيل ذلك فهو من أوّل من تسعّر بهم النّار » . وروى الإمام أحمد وغيره مرفوعا : « من عمل من هذه الأمّة عمل الآخرة للدّنيا فليس له في الآخرة من نصيب » . وروى الطبراني وغيره مرفوعا :